الضوابط القانونية للخصم من الأجر في ضوء قانون العمل رقم 14 لسنة 2025
يُعد الأجر من الحقوق الجوهرية التي كفلها القانون للعامل، بإعتباره المقابل المباشر للعمل ومصدراً رئيسياً لاستقراره الإقتصادي والإجتماعي. وإنطلاقاً من أهمية هذا الحق، حرص المشرع في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 علي إحاطته بحماية تشريعية خاصة، تقضي بعدم جواز المساس به أو الإنتقاص منه إلا في حالات محددة وعلي نحو منضبط ووفق ضوابط قانونية دقيقة.
وقد جاء تنظيم أحكام الخصم من الأجر بما يحقق التوازن بين مقتضيات إدارة المنشأة وحق صاحب العمل في الحفاظ علي الإنضباط وحسن سير العمل، وبين ضمانات حماية العامل من أي خصومات غير مبررة أو تعسفية قد تمس مصدر دخله.
وفي ضوء ذلك، نستعرض فيما يلي أهم الضوابط القانونية التي قررها القانون بشأن حالات الخصم من أجر العامل وحدوده.
لقد أرسي قانون العمل مبدأً أساسياً يتمثل في عدم جواز المساس بأجر العامل إلا في الحالات التي يجيزها القانون صراحةً، وبما لا يجاوز الحدود والنسب المقررة. كما ألزم صاحب العمل بأن يكون الخصم مُسبباً ومُثبتاً بالمستندات، مع مراعاة عدم الجمع بين جزاءات متعددة عن المخالفة ذاتها.
1- الخصم كجزاء تأديبي.
الجزاء التأديبي هو الإجراء أو العقوبة التي يوقعها صاحب العمل علي العامل نتيجة إرتكابه مخالفة تُمثل إخلالاً بواجباته الوظيفية أو خروجه علي مقتضيات النظام والإنضباط داخل العمل، وذلك بهدف تقويم سلوكه والحفاظ علي حسن سير العمل وانتظامه.
الجزاءات التأديبية التى يجوز توقيعها على العامل وفقاً للـوائح تنظـيم العمـل والجزاءات فى المنشأة، هي:
يُعد الخصم من الأجر أحد الجزاءات التأديبية القانونية التي نص عليها المشرع ولكن وفقاً للحدود القانونية، ويُشترط في الفعل الذي تجوز مساءلة العامل عنه تأديبياً أن يكون ذا صلة بالعمل، كما لا يجوز توقيع جزاء تأديبي علي العامل بعد مضي ثلاثين يوماً من تاريخ الإنتهاء من التحقيق في المخالفة.
لصاحب العمل توقيع جزاء الخصم من الأجر إذا إرتكب العامل مخالفة تأديبية، وفقاً لضمانات قانونية تهدف إلي تحقيق العدالة، ومن أهمها:
1- لا يجوز توقيع الجزاء علي العامل إلا بعد إخطاره كتابةً بما هو منسوب إليه من مخالفات، والتحقيق معه وسماع أقواله وتحقيق دفاعه وإثبات ذلك بمحضر رسمي يودع بملف العامل.
علي أن يتم التحقيق خلال سبعة أيام علي الأكثر من تاريخ إكتشاف المخالفة، ولا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ بداية التحقيق، ويجوز أن تزيد المدة إلي ثلاثة أشهر أخري عند إكتشاف وقائع ومستندات جديدة أثناء التحقيق، ويُشترط أن يكون القرار الصادر بتوقيع الجزاء مُسبباً.
2- يجوز في المخالفات التي يعاقب عليها العامل سواء بالإنذار أو الخصم من الأجر بما لا يجاوز أجر يوم واحد أن يجرى التحقيق شفاهة، بشرط أن يتم إثبات ذلك في القرار الصادر بتوقيع الجزاء، ويُشترط أن يكون القرار الصادر بتوقيع الجزاء مُسبباً.
3- يجوز للمنظمة النقابية التي يتبعها العامل أن تندب ممثلاً عنها لحضور التحقيق.
4- لا يجوز لصاحب العمل توقيع أكثر من جزاء عن المخالفة الواحدة، ولا يجوز له الجمع بين إقتطاع جزء من أجر العامل وبين أي جزاء مالي آخر، إذا زاد ما يجب إقتطاعه علي أجر خمسة أيام في الشهر الواحد.
5- لا يجوز لصاحب العمل توقيع جزاء الخصم علي العامل عن المخالفة الواحدة بما يزيد علي خمسة أيام من الأجر الأساسي، كما لا يجوز أن يقتطع من هذا الأجر وفاءً للجزاءات التي يوقعها أكثر من أجر خمسة أيام في الشهر الواحد.
2- الخصم مقابل الإقتراض.
لصاحب العمل أن يقتطع من أجر العامل وفاء لما يكون قد أقرضه من مال أثناء سريان العقد، ولا يتعدى الإقتطاع أكثر من عشرة بالمائة ، بالإضافة إلى إنه لا يجوز لصاحب العمل أن يتقاضى أي فائدة عن هذه القروض.
3- الخصم مقابل التلف أو الفقد.
يجوز لصاحب العمل الخصم من أجر العامل تعويضاً عما تسبب فيه الأخير بخطئه من فقد أو إتلاف للأدوات أو المعدات أو المنتجات الخاصة بالعمل، وذلك بشرط:
1- إجراء تحقيق مع العامل ثبوت مسئوليته.
2- ألا يتجاوز التعويض المطالب به عن أجر شهرين كحد أقصي.
3- ألا يزيد ما يتم إقتطاعه شهرياً عن أجر خمسة أيام في الشهر الواحد.
4- مراعاة التناسب بين قيمة الضرر وقيمة الخصم.
ويجوز للعامل التظلم أمام المحكمة العمالية المختصة من تقدير صاحب العمل وفقاً للمدد والإجراءات المحددة بالقانون، وإذا لم يقض لصاحب بالمبلغ الذي قدره للإتلاف أو قُضي له بأقل منه، وجب عليه رد ما إقتطع دون وجه حق خلال سبعة أيام من تاريخ صدور الحكم.
4- الخصم تنفيذاً للأحكام القضائية والديون.
أجاز المشرع تنفيذ تلك الأحكام بطريقة مباشرة عن طريق الخصم المباشر من أجر العامل، فالديون أو الأحكام الصادرة تعتبر من الاحكام الواجبة النفاذ قانوناً ، وذلك حتى يحصل أصحاب الحقوق على حقوقهم ، لذا حدد المشرع نسبة الاستقطاع وذلك في حدود خمسة وعشرون بالمائة من الأجر وذلك لأداء أي دين ، ويجوز رفع نسبة الخصم إلى 50% في حالة دين النفقة ، وعند تعدد الديون تكون الأولوية لدين النفقة.
يتم إحتساب نسبة الخصم بعد إستقطاع ضريبة الدخل، وإشتراكات التأمينات الإجتماعية، والمبالغ المستحقة قانوناً، والقروض المستحقة لصاحب العمل.
ويشترط لصحة النزول عن الأجر في حدود هذه النسب صدور موافقة كتابية من العامل.
في حال مخالفة صاحب العمل للضوابط القانونية:
وفي الختام، يتضح أن قانون العمل لسنة 2025 وضع ضوابط دقيقة للخصم من أجر العامل، توازن بين حق صاحب العمل في إدارة منشأته وحماية حقوق العامل. ويظل الإلتزام بهذه الضوابط ضماناً لبيئة عمل عادلة ومستقرة، والحد من المنازعات العمالية.
وفي هذا الإطار، تواصل مؤسسة السعدني للمحاماة والإستشارات القانونية تقديم الدعم القانوني المتخصص لأصحاب الأعمال والعاملين، عبر الإستشارات، ومراجعة السياسات والإجراءات التأديبية، بما يضمن الإمتثال لأحكام القانون وحماية الحقوق لكافة أطراف علاقة العمل.